دكتور عبد العزيز الدوري

69

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

وقبل أن نناقش التطورات في العصر الأموي ، نشير إلى بعض التطورات التي نشأت عن ظروف عصر الراشدين . فقد كان للفتنة الأولى ولأحداثها أثر مهم في التكتلات السياسية في التاريخ العربي وفي ظهور الأحزاب . إنّ مقتل عثمان أدى إلى انقسام بين المسلمين وإلى ظهور شيعة عثمان مقابل شيعة علي . ثمّ إنّ مقتل الإمام علي أعطى شيعته ومؤيديه أول رابطة قوية وبلور اتجاههم وكون الحزب العلوي أو الشيعة ( العلوية ) . كما أنّ ذكرى حكمه ربطت قضية العراق بالقضية العلوية ، فقد جعلت الكثيرين من أهل العراق يؤيدون بيته دون أن يكونوا شيعة حقا ، ذلك لأنه يمثل بنظرهم زعامة العراق بين الأمصار . وهذه نقطة تستحق الانتباه لفهم ما يبدو من متناقضات في تصرف العراقيين في العصر الأموي . ظهر العثمانية ، أو المطالبون بدم عثمان ، وهم يرون أنه قتل ظلما . ولما قام معاوية صار له أنصاره ( شيعة معاوية ) ووقف العثمانيون بحكم الضرورة إلى جانب معاوية والشام ، حتى صار البعض يعرفهم أنهم « الجماعة الذين يقدمون أمية على بني هاشم ويقولون الشام خير من العراق » . وحين انتصر معاوية لم يبق سبب لاستمرار شيعته وحل محلها الولاء لبني أمية وللشام . وشعر العثمانية - بأنّ ثأرهم أدرك فدخلوا في الجماعة واتخذوا وجهة مسالمة « تدين بالكف » عن القتال - وهذا في صالح الأمويين - وتدافع فكريا عن عثمان وسلفيه . وقد عبر الجاحظ بوضوح عن آرائهم في كتابه : العثمانية . وهناك الجماعة الذين اعتزلوا القتال ، ولم يشتركوا مع أي طرف ، مثل أسامة ابن زيد بن حارثة الذي اعتذر من الإمام علي قائلا : اعفني من الخروج معك في هذا الوجه فإني عاهدت اللّه أن لا أقاتل من يشهد أنّ لا إله إلا اللّه » ، ومثل سعد بن أبي وقاص الذي قال لعلي : « أعطني سيفا يفرق المسلم من الكافر » . وهؤلاء هم المعتزلة السياسيون . وظهر الخوارج في ميدان صفين إثر مشكلة التحكيم كما لا حظنا . وبعد مرور هذه الحوادث ومجيء الأمويين استمر الناس يناقشون مشكلات الفتنة الأولى . وقف الخوارج في الطرف البعيد يربطون العقيدة بالعمل ويكفرون غيرهم من المسلمين . ووقف المرجئة في الطرف المقابل يعلنون أنّ الإيمان باللّه يمحو الكفر ولا يرون تكفير من نطق بالشهادة . وفي نظرتهم معنى سياسي في صالح الأمويين إذ اعتبروا حكمهم شرعا مفترض الطاعة . ولكن تطور المجتمع جعلهم يعدلون آراءهم ويدعون إلى اتباع الكتاب والسنة والحكم بالعدل ونادى بعضهم ( كالحارث بن سريج المرجئي ) بالشورى في الحكم .